الأحد، 19 أكتوبر 2008

عـلى أعتـاب الحــب (4)



كانت خلود تجلس في غرفتها على كرسي مكتبها الصغير أو بالأصح طاولة مذاكرتها رافعه ساقيها بركبتين مثنيتين أمام صدرها تتأرجح بالكرسي معتمده على الساقين الخلفيتين له وهي ترتدي بيجامتها الصوفيه المخططه ... أوشك الشتاء على الإنتهاء ... كانت خلود تذكر بعضاً من تفاصيل رحلتها لألمانيا مع والديها عندما كانت في العاشره من عمرها وقد تعرض والدها لحادث بسيط في أحد حقول البترول أثناء عمله مما سبب له آلام في الظهر فقررت عائلتها السفر إلى ألمانيا للإطمئنان على صحته و للسياحه ... صحيح أنها لا تذكر أسماء الأماكن التي زارتها ... لكن صور المجسمات من الطيور والحيوانات والأشخاص والمنحوته من الشجر في أكبر مدينة ملاهي رأتها لا زالت محفوره في ذهنها ... كما انها تذكر جيداً الشوارع النظيفه والمباني العتيقه الشامخه والكنائس التاريخيه إضافه للحياة العصرية المتطورة ... لكن كل ذلك كان في الصيف اما الآن فلا شك أن ألمانيا ترزح تحت أكوام الثلوج الآن ... ولا بد أن عمر يصنع مشروباً ساخناً ليستعين به على إتمام مذاكرته ... هل يا ترى أتيحت له فرصة مشاهدة كل هذا ... ستشعر بالسعاده لو انه رأى ما رأته عيناها ... ستشعر أنهما يتشاركان أشياء رغم بعد المسافه ... وسيكون لديهما أشياء مشتركة للحديث عنها ... ولا شك أنه هو أيضاً متلهف لرؤيتها ... وتخيلت نفسها و هي تقف أمامه دون أن تضطر للوقوف على أطراف أصابعها وهو متفاجئ من الشابه الجميله التي أصبحت عليها ... ستقف وتخبره أنها أشتاقت لنقاشاته الفلسفيه معها والتي ملأت عقلها وروحها ... ستخبره ما لم تخبر به أحداً وهو أنها تبنت كل أفكاره دون أن تخبر أحداً عن مصدرها ... ستخبره انها اشتاقت لليالي الصيفيه القليله والتي أعتادوا أن يمضوها وهم يلعبون "الدومينو" ويسمعون آخر إصدارات اغاني البوب ... ستخبره بانها أشتاقت للفشار الذي كان يصنعه بالجبنه خصيصاً لإرضاء ذوقها متجاوز إعتراضات لمى وعادل وهو يرد عليهم بكل برود :
والله إذا ما تبوون جبن أتحركوا وأعملوا فشار على ذوقكم
فيمتعضان قليلاً ثم يستسلما ويمدا أيديهما للمشاركة في وجبة آخر الليل ثم تبدأ الحرب على الثلث الأخير من وجبتهم الخفيفة وتعلو الضحكات وخلود تشاركهم الضحك والحرب إلا أنها نادراً ما تشاركهم الفوز بآخر حبات الفشار ... فتلتفت لتجد عمر يقدم لها نصيبه مما فاز به ... كانت تذوب خجلاً ... وتذوب حباً لهذا الرجل الذي تجده دائماً في ظهرها عندما تفلت هي كل قوانين الإتزان وتترك نفسها لتسقط ... كان عمر دائماً يلتقطها سواء من دراجتها أو من حذاء تزلجها أو حتى عندما تخسر في نادي الجامعه أمام أي شخص ... كان دائماً بجانبها ... بصمت وبدون أن يبوح لها بحبه ... لكنها طالما أحترمت هذا الصمت الذي أعتبرته إحترام لها في عدم تجاوز الخطوط الحمراء قبل أن يرتبطا رسمياً ... اممممم .... يخطبها .... كم أستعذبت هذه الكلمه ونامت وهي تحلم به وهو بجانبها في الزفه وهي ترتدي مره فستان زهري ومره أزرق ثم تصبغه في خيالها باللون الأحمر وتقع هي وعمر من الضحك على إختيارها لهذا اللون ... ونظرات الرعب والمفاجئة على وجه والدتيهما ... ثم ترى نفسها وهي تمد يدها إلى فستانها فينصبغ كفاها باللون الأحمر وكأن فستانها نبع الألوان ... والحياه ... وعندما يحتقن وجه عمر من الضحك وهو ينظر إليها ... تحمل فستانها وتلتفت ليطير ذيل فستانها ويصبغ جدران المكان بخطوط حمراء وتركض خلف عمر حتى تلحق به وتخطط وجهه بكفيها الأحمرين والخلفيه تحمل آثار خطواتها بالأحمر ... ثم ترمي برأسها للخلف مقهقهه ... فترى تصفيف شعرها يتفكك وتتساقط منه المشابك لينسدل على ظهرها ويطير في الهواء فتبدو كحصان عربي أصيل ... عندها يتوقف عمر وينظر إليها ثم يمد يده ليلفها بشعرها ويشدها نحوه ... ثم تجري لتهرب ثانيه ملوثه كل شاشة خيالها بالأحمر ... فتبتسم وتنام كان هذا هو عالم خلود إذا ما خلدت للنوم ...

فمرة تختار كروت دعوة الفرح وتختار باقة الورد التي ستحملها ثم تختار العطر الذي ستضعه ... وكل خيال مختلف وتختلف معه جميع التفاصيل حسب يومها وحسب ما حدث معها ... فإن كان يومها هادئاً مرت الزفه بسلام ... أما إن أزعجها أحد فإنها تعمد لإختيار أكثر ما يثير إستياء هذا الشخص وتنفـذه على مسرح كوشتها ... أليست ليلتها ومن حقها ... إذن ستزعجه أمام الجميع كما أزعجها ... و إذا كانت مشحونه بالفرح فإنها تمرح مع عريسها عمر على هواها ... وفي مره أرتدت فستان أسود لشعورها بأن غيابه طال لإغاظته بإختيار اللون الأسود في يوم فرحتهما ... وهو يقف على الكوشه يحمل نظرات الرعب والخوف عليها والحزن مما فعلته وهي تمشي نحوه بصمت لا يتناسب مع زفات الأفراح ثم ترفع عيناها ليلتقيان به فتجده قلقاً عليها ... فتعمد لإزالة وشاحها بحركة مصطنعه مدعيه الغضب ثم تنزع اللون الأسود مع حركة يدها ليحل محله اللون الزهري وتتساقط الورود لتتدحرج على الطاولات وتعلو الأغاني وترى والدته و لمى وعماته يرقصن أمامهما ...
وبذلك تقابل عمر في الزفه كل ليله وكأنها تبثه تفاصيل يومها هدوئها غضبها وفرحها ... شجنها دلالها وشوقها في لوحه تعبيريه دون أن تقول كلمه واحدة ... تماماً كما أعتادت منه ... لقد ابتكرت هذه الطريقه حتى لا يجد الجفا طريقاً لقلبها ...
لكنها عندما تراه هذه المره حتماً ستطلب منه أن يتواصل معها ... مثل ما تقول الفتيات عن طريق الإيميل الماسنجر أو حتى التشات ... ستفتح حساباً لتكون مستعده عندما يطلبها عنوانها ...

.......................................................

يوم دراسي جديد ... عادي ... كأي يوم آخر ... إلا أن إحساس لمى كان مختلفاً ... ومع أنها أمضت غالبية النهار بدون أن تفكر في خالد وكما ظهر فجأة في حياتها ... فإن صوته كان يتردد فجأة في رأسها فتفـلت منها إبتسامة وهي ترتقي سلالم المدرسة ... أو تتحدث مع صديقاتها ... أو حتى وهي واقفة في الفصل تجيب على معلمتها ... " آخر مره أسمح لك تنسي فيها صوتي ... فاهمه" .... " حتستنيني ... عشان أسمع صوتك الحلو" " صوتك الحلو " ... "صوتك الحلو" ...
كانت تشعر بجسدها يخف ويخف ... وكأنها في مكان آخر ... كانت تشعر بسعادة غريبة حتى مع علمها أنها لن تسمع صوته مرة أخرى ولكن يكفيها هذا القدر من الدلال والإهتمام الذي حظت به خلال أربع دقائق ونصف فقط ...
عادت لمى من المدرسة وألقت بحقيبتها على المكتب ثم دست يدها في أحد أدراجها وأخرجت قلم الكحل ... لم تدر لم أرادت أن تشعر بأنها جميلة ... ربما أشتاقت لصوت خالد الذي يشعرها بأنها مدللــه ... أو بأنها جميله أو مميزه ...

.......................................................

في ذلك الوقت كانت خلود تشعر بالتشتت والضياع بدون عمر ... فقد ظلت طوال هذه السنوات لاتفكر بالسماح لأي شاب بالتقرب منها رغم حياة الحريه نسبياً التي يمنحها لها والديها لأنها تنام كل ليله وهي تضم عمر بأحلامها ...
عموماً تبدأ الإختبارات النصفيه الأسبوع القادم وعمر وعادل سيحضران من ألمانيا كما أخبرتها شقيقتهما لمى ... لمى ... آه ... ماذا أصاب لمى مؤخراً ... لم هي سارحه هكذا ... مبتسمه بدون سبب ... ثم حزينه بدون سبب ... كما أن عيناها كانتا تتلألآن بالأمس ... لابد أن أسألها إن كانت تستخدم مستحضر جديد ... أو قطرة تجعل عيناها تتألقان ... هكذا فكرة خلود ببساطة البنت التي لم تجرب مبادلة الحب من قبل ...
وهكذا فكرت السيده ثريا أن إبنتها بدأت بالنضوج وإستخدام الكحل لذا بدأت تبدو أجمل ... آه إنها تذكرها بشبابها ... كم كان العرسان يتسابقون لدق باب أسرتها المتوسطه في حي الشرفيه بجده والذي كان يعد وقتها "أرقى أحياء جدة القديمه" حتى جاء د.سـالم الزايدي وقتها وطرق بابهم كما طرق قلبها ... لم يكن حينها قد نال درجة الدكتوراه بعد ولكنه طالب بالسنه الأخيره يدرس في بعثه دراسيه بمصر ... وفور تخرجه فإن وظيفته مضمونه في وزارة البترول والمعادن بالظهران ...
تردد والدا ثريا في الموافقه لأنهما لم يفكرا من قبل بأن تبتعد إبنتهما الكبرى عنهما ... ولكن بدا وكأنه هو ... زوج المستقبل ... وأشاد الكل بأخلاقه وإلتزامه ومستواه الدراسي وسلوكياته خلال البعثه ... فتمت مراسم الزواج في سطح عمارة أهل ثريا وشهد عقد القران الأهل والأقارب والجيران ...
ثم أختطف سالم ثريا إلى الظهران والحقيقه أنه أحسن معاملتها طوال سنوات زواجهما إلا أن إفتقادها لأسلوب الحياة الحجازية وإفتقادها لشقيقتها الصغرى خيريه وتفاصيل حياة أهلها الأسريه والتي لم تتح لها وسائل الإتصال وقتها بالإطلاع عليها بالتفصيل ... إلا أنها لم تعجز هي وخيريه في التواصل بأخبار النميمه والإشاعات والحقائق ... فقد أعتاد جميع أفراد عائلة سالم الزايدي الصغيره عدم مقاطعة السيدة ثريا في خلوتها بعد المغرب – وذلك قبل وفاة والدتها وبالتالي إنتقال عادة "تبسي" الشاهي إلى مغربياتها إحياءاً لعادات والدتها رحمها الله - لسماع الأشرطة المسجله التي كانت تتبادلها هي وشقيقتها لتخرج بعدها هادئه ووجنتيها مبللتان بالدموع من شوقها لعائلتها ... وبالتالي كانت تخرج منتصره بهذه الطريقه بعيدة المدى والفعاله ... في كسب معركة الإجازه الصيفيه وإجازة عيد الفطر وقضاءها وسط أهلها فيما كانت تتنازل متكرمه بإجازة الحج لأهل زوجها حيث ان أهلها يكونوا مشغولين بضيافة الحجاج والمشاركة في أعمال الحج ...
أما اليوم فالوضع مختلف ... فعادل وعمر مسافران للدراسه بالخارج ومع أن لهما أولوية إختيار مكان قضاء الإجازة السنوية ... وقد حاول الشقيقان إقناع والدتهما بزيارتهما وأخذها في جوله لبلدان اوروبا ... كانت دعوة لاترفض ... لكن السيدة ثريا أصرت هذه السنه على زيارة أهلها في جدة وحضور أبنائها لزيارتها لمدة شهر على الأقل ... ووعدتهما بزيارتهما السنه القادمه ...

.......................................................

أنشغلت كل من لمى وخلود بمراجعة دروسهما سوياً في غرفة لمى كالعادة ... تارة بجدية وتارة بملل لا يوصف يدفعهما للضحك الهستيري أو حتى للبكاء الهستيري ... وكل منهما تخفي سر قلبها عن الأخرى بالرغم من أن تحقق هذه الخطوة كان من شانه نقل مستوى صداقتهما إلى مرحلة جديدة إلا ان كلاً منهما كانت متردده بالبوح لصديقتها ... ربما خوفاً من الإستنكار ... ربما خوفاً من النصيحه ... أو ربما من عدم إحساسها بالإستعداد لتعرية مشاعرها أمام أحد بعد ... وكانت خلود تجد صعوبة أكبر لأن لمى هي شقيقة عمر ... ولو حدث أي تغيير في مجرى الأحداث لن يكون لها صديقة مقربة تبثها وجعها ... كما أنذلك من شأنه أن يعطي السيدةثريا الفرصة لإنهاء علاقة لمى بخلود ...
أما لمى فكانت لا تجد داعي لذكر موضوع خالد لصديقتها ... لم تكن هناك قصة ... صحيح ... ليس هناك قصة ... إذن مالذي يمنعها من أن تحكي لخلود ... ألم تشاركها من قبل جميع تفاصيل يومها وليلتها ... لم أخفت هذا الموضوع عنها ... لا تدري ... ربما تشعر بالخجل لأنها تجاوبت مع هاتف من شخص غريب ... بل ربما لأن مشاعرها وقلبها تجاوبتا معه ...
بدأت الإختبارات ... وحبست لمى نفسها في غرفتها للمذاكره ولقضاء بعض الوقت في التسليه بعيداً عن مراقبة والدتها لها ...
أما خلود فكانت تذاكر دروسها مع لمى في إجازة الأسبوع وتراجع المناهج يومياً في منزلها ... ولم يكن إنشغالها بمراجعة الدروس أقل من إنشغالها بإقتراب موعد عودة عمر من السفر ... كانت تحسب الأيام لقرب نهاية الإختبارات ولقرب لقائها بحبيب عمرها ... وقد صممت أن لا يرجع لألمانيا هذه المره دون أن يحمل معه ذكرى من حبها له ...
كان يوم الأربعاء ... فسمحت لمى لنفسها بالنزول إلى المطبخ لتحضير عصير موز مثلج تتناوله أثناء مشاهدة التلفزيون لنصف ساعة فقط حتى تعود والدتها من السوق ...
تركت الخلاط الكهربائي يخلط الحليب دون توقف وهي تتأمله ثم تقوم بإسقاط حبات الموز وهو لا يزال يعمل ثم حبات الثلج واحدة واحدة وهي سعيده بساعة الراحة التي سمحت لنفسها بها ... ظلت على هذه الحالة عدة دقائق قبل أن تتنبه لجرس الهاتف ... فأغلقت الخلاط وركضت نحو الهاتف ... وهي ترجو أن لا تكون والدتها تحاول الإتصال بها منذ فترة طويله ...
رفعت السماعه : - هلا
- انتي فينك ... حرام عليكِ
حبست أنفاسها ... إنه نفس الصوت الذي خدرها لمرات عديدة كلما أسترجعت نبرته
- أنا ... أنت ... إيش تقصد
- إيش أقصد ... أقصد إنك واحشتني مووووت يا بنت الإيه إنتي ... ايش عملتي فيني
أبتسمت لمى وجلست على المقعد ببطء وهي تستوعب ما يحدث لها ... عقلها ينبهها بأنها على بداية طريق قد يقودها لمشاكل جمة ... وقلبها يدعوها لتستمتع باللحظة ... كما أن صوت خالد يشدها بطريقة لا تستطيع معها الخلاص ولا أن تترك الهاتف
- - الو ... ايش بك ما تردين
- لأن ... لأنك ما وحشتني
- تلت تلك الجملة ثواني بسيطة من الصمت ... شعرت خلالها بتوتر خالد
- فأردفت بدلال :
- لأنك كنت وياي ... كل لحظة ... من وقت ما تركتني
هذه المره نجحت لمى بأن تجعل خالد هو من يشعر بخدر لذيذ يغمر جزء منه
أبتسم وقال لها
- إنتي رررررهيبه ... تدرين وايش يعني رهيبه
كانت لمى لا تزال تمسك بخلاط العصير في يدها ... لكن ذهنها كان منصرف عنه كلياً ... وأستمرت المكالمه بينهما ساعه حتى تنبهت لمى لصوت الباب يفتح فاستأذنت سريعاً منه وأوشكت أن تغلق الخط في وجهه وسمعته وهو يسأل بلهفه :
- - متى أقدر أكلمك
- - دق علي الساعه 12
واتجهت وهي أشبه بالمنومة مغناطيسياً إلى أن وصلت المطبخ وتنبهت أن خلاط العصير لا يزال بيدها لكنه لم تشعر به ... إنما تملكها شعور بالخفه ... وكأنها محلقه ... ثم وجدت أن العصير قد تحول لونه للأسود فأبتسمت ثم سكبت العصير في الحوض ... لا تريد عصير موز ولا حتى تلفزيون ... لقد أكتفت ...
أتصل بها خالد في تلك الليله ... وتحدثا طويلاً ... تحدثا عن كل شيء ... عن الإهتمامات العامة والخاصة ... عن الأغاني ... عن الفن ... عن الذوق ... وعن اللبس
كانت تمسك بورقة وقلم "تشخبط" بها ... وتسجل مقتطفات من محادثتهما ... وأسماء ذكرها في حديثه معها ... وأماكن ... تحدثا دون أن يشعرا بمرور الوقت ... تحدثا ست ساعات متواصلة ... ثم أغلقا الخط وشعرت لمى وكأنها نامت طوال الليل ... لم تشعر بإعياء السهر ... مع انها لم تعتد البقاء مستيقظه طوال الليل من قبل ...

.......................................................