الأحد، 10 أغسطس 2008

على أعتاب الحب



كانت تمشي تتهادى في خطواتها على رصيف مجمع سكن جامعة الملك فهد بالظهران وكان النسيم يلاعب شعرها البني والمنسدل على جنب بخجل أشبه بخجل مفروض على فتاة في الخامسة عشر ليخفي توقها للإنطلاق للحياة والإستمتاع بها... ولم يكتف هواء شهر مارس بمداعبة شعرها بل تجرأ محركاً أطراف تنورتها الواسعه والتي تقف فوق كاحلها ببضع سنتيمترات بلونها البني و نقوشها الهندية فيما أظهر البودي الأبيض الذي ترتديه أول مظاهر الأنوثه في جسدها الصغير وكشف عن ذراعان مسمرتان تحتضنان ملفها الخاص لصدرها البريئ ...
وقبل أن تصل خلود لنهاية البلوك السكني أنعطفت بإتجاه اليمين لتدخل المدخل الخاص لفيلا صديقتها حيث يغطي العشب الأخضر مدخل الفيلا فيما تستلقي قطع من الحجر المنبسط لتدوس العشب وتشكل ممراً طبيعياً للباب الأمامي وكانت هناك دراجتان ملقاتان بإهمال على العشب ... العشب الذي طالما داسته أقدامهما الصغيرة متجاهلة ببراءة ممسحة أقدام الباب الأمامي لتركض وتوسخ الصالة الأمامية ودرجات السلم وأحياناً غرفة لمى بل حتى غطاء سريرها ولحافها معتقدتان أنهم أختبئتا من سامي وعمر... ولكن اليوم لن تخاطر خلود بإتلاف صندلها الأبيض المنبسط بمحاذاة الأرض والمزين بأربع قطع خشبية وبنية اللون والذي أشترته مؤخراً أثناء العطلة الصيفية في أسبانيا... أبتسمت خلود لهذا الخاطر الذي أعطاها إحساس بنضجها عن شقيقتيها ولكن الدراجة عند الباب تدل على وصول عادل وعمر للتو مما قد يسبب لها الكثير من الإحراج حتى تصل وتختبئ في جدران غرفة خلود لتحميها كما كانت تحميها وهي طفلة من مضايقات عادل وعمر...
لاشك أن تعليقات عادل المزعجة والمحرجة كانت تربكها حتى وإن كان يبدو عليها غير ذلك ... فيما يكون ذهنها حاضراً للرد عليه في الوقت المناسب إلا أن إرتباكها أقوى بكثير أمام نظرات عمر وتماسكها أيضاً كان أقوى أمامه حتى هي نفسها كانت تستغرب من قدرتها على إخفاء إرتباكها وتحويله لحديث مختصر ولطيف لتخرج هي دائماً من المكان وهي تعلم أن نظرات عمر مركزة على خصرها الصغير...
ولكن اليوم .... وفي هذا الوقت المبكر من العصر يستغرب أن يكون الشقيقان هنا ففي مثل هذا الوقت يكونا في النادي أو مع الأصدقاء ...
تقدمت خلود من الباب الأمامي ودقت الجرس وجاءها الجواب سريعاً من والدة لمى التي فتحت لها الباب وأسرعت للداخل وكأن حضور خلود لهم في أي وقت أمر عادي ... دخلت خلود الصالة وارتقت درجات السلم دون أن تصادف أحد فشعرت براحه يخالطها حسرة. ولكن شعورها ذلك سرعان ماتلاشى عند درجة السلم الأخيرة حيث قابلت عادل الذي صرخ بها
- ايش هذا انتم تطلعون بكل وقت.
ردت ريم بلهجتها الحجازيه البسيطه
- وجودك على الأرض يضطرنا نضاعف ساعات عملنا
- يعني .... !
- يا ريتك تريحنا وترتاح
- قريب راح ترتاحين مني ياوجه الفطيره
أسرع عادل في طريقه وقطبت خلود حاجبيها وقلبت شفتيها للخارج ثم هزت كتفيها وأنطلقت لغرفة لمى التي كانت مستلقية تقرأ رواية لإحسان عبدالقدوس وتسرح في عالمها الخاص ...
قالت خلود مبتسمة وهي تلقي بجسدها على السرير بدون دعوة
- هييييييي .... رحتي فين ورانا مذاكرة
أبتسمت لمى حتى مالت أطراف عيناها الواسعتان و قالت لخلود
- تعالي أبغاكي تشوفين شي .... مممم
وفتحت كفها لتسمح لصديقتها برؤية ورقة صغيرة جداً أو كبيرة جداً ولكن مطبقة جداً
- ايش ده ... رسالة حب!!!
- اشششش .... قصري صوتك ... لو سمعت أمي ... ورفعت عيناها للسماء وهي تقول نور الشمس راح يضيع طريق غرفتي
- يعني بجد ... مين بسرعه قولي لي ...
- محمد
- محمد ابن عمك
- امممم ... البارح كان زواج أخوه الكبير … خرجت من الصالة قبل أمي والكل مشغولين بالعروسه والعريس وكنت أنا تعبانه أطالع عمر عشان يوصلنا البيت مر محمد بجنبي وماأعرف كيف ما حسيت غير وردة حمراء وهذه الرسالة بكفي وجاني صوته يهمس :
- ممكن تمسكي لي إياها شوي
وبعدها أختفى داخل الصالة وجات أمي … طبعاً ارتبكت وخبيت الورقة بحمالة فستاني تحت العباية وقلت لها عجبني ورد الطاولات وأخذت لي واحده
- وصدقتك
- إيه ... بس أنا كنت أطالع المدخل … أبي أرجع الرسالة لمحمد
- ترجعيها !!! أفتكرته عاجبك ...
وأطرقت خلود برأسها للأسفل بجبهة مجعدة ويد ممدودة و عينان مركزتان على لمى وهي تحاول فهم مايدور في رأس صديقتها ...
- ايش ايش؟! .. ايش قصدك أنها لي أنا ... يا بنتي من وين تفهمي قلت لك أنه طلب مني أشيلها له شوي
- هاهاها انفجرت خلود ضاحكة وهي تقول وإذا كانت له ... ما تقدر يدينه تشيلها !!! طب والرساله ... ماعنده جيب في ثوبه ولا مكانها هو يدك ... يا ذكية
سكتت لمى تماماً .... هل خلود على حق !!! يبدو أنها كذلك ... لكن محمد لم ينظر لها قبل ذلك ... بلى نظر لها قبل ثلاث سنوات قبل أن ترتدي الحجاب عندما طلب منها أن تسمح لشقيقته الصفيرة بالجلوس بجوارها في "مرجيحة الحديقة" وأن تسمح له بتحريكها ... يطلب ... يستأذن ... هل تسمح ... كل هذا الأدب من محمد معها محى كل شكوكها بأن نظراته تخفي كلاماً أكثر … فقد رددت أمها عليها مراراً وتكراراً أن الفتيات هن من يخجلن وكانت تتصور أن الرجل بكل مراحل عمره هو المقاتل المغوار الذي لن يتردد ولن يرتبك في أخذ ما يريد … عندها فقط كانت ستستسلم لرغبته ...ومع أن نظرات محمد كانت تخفي رجاءاً بأن تفهمه ... ولكنها لاتذكر أكثر ... لاتذكر لأنها لم تنظر بإتجاهه ولم تسمح له بأن يعبر عن حقيقة شعوره ... مع أنها لاترفضه بل في حقيقة الأمر كما قالت خلود فإنها تميل إليه...
نفضت لمى رأسها لتزيح كل هذه الأفكار الثقيلة من رأسها وقامت من مكانها تنفض فستانها ليقف عند ركبتيها ثم قطعت الورقة قطعاً صغيرة ورمتها مع الوردة في سلة المهملات.
أتكأت خلود بكوعها على السرير وسألتها :
- خايفة .... خايفة تحبي أو خايفة من أمك !!!
- حياتي كده وما راح أغامر عشان شوية خرابيط ... ثم ألتفتت لخلود وأكملت حديثها : وأنا ما أعرف أفكر في الحب والشباب وانتي أعلم الناس بي … مايحتاج أبرر نفسي قدامك…
- اهاااا .... صحيح جاءها صوت خلود وهي تربت على رواية إحسان عبدالقدوس "وتشرق الشمس من جديد"
اتجهت لمى لمكتبها لإحضار ملفها متجاهلة ملاحظة خلود الأخيرة ...

كانت الفتاتان تراجعان ملخصات المنهج الدراسي عندما جائهما صوت والدة لمى من الأسفل :
- لمى ... لمى ... لمى ... تعالي سلمي على أخوانك
قطبت خلود حاجبيها فيما قفزت لمى من السرير وهي تخبر صديقتها :
- نسيت أقول لك أخيراً حأخلص من مناكفة عادل وحيوحشني عمر موووت
- ليه
- جاء خطاب قبولهم في جامعة ألمانية عمر للماجستير وعادل هندسة واليوم مسافرين … وركضت بإتجاه الباب لترتمي في حضن عمر وتقبله وتتلقى قبضة خفيفة من عادل وأختفت أصواتهم كما تلاشت صورتهم في عيني خلود ولم يبقى سوى صورة عمر في ذهنها وحوله علامة إستفهام كبيرة ( لم ؟ ) ( لم لم تخبرني ؟ ) ( لم تصر على الإبتسام لي كل ما شفتني ... لم تتأمل ضحكتي عندما أطلقها أمامك بقصد فيما قد تبدو لك طبيعية ؟ ) ( لم وقفت في كل مرة تقابلنا فيها تتأمل خطواتي الراحلة حتى أخرج من المكان ما دمت مغادراً ... للمجهول !!! لفتيات أخريات قد يمنحنك أكثر من مجرد ضحكة مفتعلة ... لم؟ )
- أشوف وجهك على خير يا خلود
- أشوف وجهك على خير ... ردت وهي تتلعثم
فقال عادل :
- أنتبهي لنفسك ... لايخف وزنك أكثر يروح يخف عقلك
لم تقو هذه المرة على استجماع صفاء ذهنها لترد عليه فبقيت ساكتة…
وفيما تحشرج صوت لمى بالبكاء وغادروا جميعاً الغرفة كان عمر آخر من غادر وعيناه لاتفارقان عيني خلود مع إبتسامة خفيفة تعلو طرف فمه. سكن الكون حولها وشعرت بقبضة يد قوية تعتصر قلبها وأجفلت لحركة لمى المسرعة جائت لأخذ عبائتها لترافق أخواها للأسفل:
- ايش بك؟
ثم تحركت مسرعة في إستجابة لصوت أمها : لمى ... أسرعي
نزلت لمى الدرج مسرعة وكانت والدتها تقف بالباب ملتفة بطرحتها تبتسم محتضنة عمر وعادل ومنهالة عليهما بالدعاء والتوصيات ثم أخذت تراقبهما وهما يحملان أمتعتهما وما أن رأت لمى حتى أنتظرت مرورها بقربها لتقول لها هامسه وبصوت متوعد :
- لما ناديتك تسلمي على أخوانك ليش ما نزلتين على طول !!! كم مرة نبهت عليك لما يكون عندك صديقاتك مافي داعي يدخل أخوانك غرفتك ... عارفة إني ماأحب الحركات هذي
- أي حركات !!! ... مالحقت ...
- اشششش ... أعرف كيف أتفاهم معاكي بعدين ...ثم التفتت مبتسمه لأبنها ... حبيبي عمر لا تنسى تكلموني أول ما توصلوا ... وخليكم مع بعض على طول …
- أكيد أمي
نظرت لمى مذهولة ... لم إذن لم تمنع أمها عمر وسامي من الصعود للأعلى بدلاً من لومها هي ... وشعرت بالإشمئزاز من قدرة أمها على أن تجرحها فيما تبتسم لعمر في نفس (ذات) الوقت ... وحانت من لمى ابتسامة على هذه الجملة الأخيرة التي طرأت ببالها ثم أبتسمت ووقفت مودعه أخواها…

كان آذان المغرب على وشك الإعلان عن نهاية يوم جديد عندما كانت خلود تعود أدراجها على نفس الطريق الذي شهد شقاوتها ولعبها وإحتفالاتها وبكائها مع لمى وشقيقيها فقد كانوا هم عائلتها حتى قررت أم لمى أن وقت حجاب لمى قد حان ولا مزيد من التسكع على رصيف المنزل … ولكن طعم دموعها اليوم مختلف عن الدموع التي سالت على خدها عندما وقعت من الدراجة هنا وجرحت ركبتها ... كما أن ألم قلبها مختلف مع أن عيناها جافتان… وصلت خلود منزلها واتجهت مباشرة لغرفتها وأرتمت على السرير وبكت كما لم تبك من قبل … بكت بحرقة ... بكت رحيل حبيبها ... بكت نهاية قصتها التي لم تبدأ ... بكت خيانة حبيبها ....
ولم تكن تعلم بعد ما يخبئ لها القدر...

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

القصه حلوه واعجبتني مع اني ماحاب النهايات الحزينه مش نائصه يعني
لكن الي عجبني مره انو القصه فيها انتي انتي الي كنتي في الجامعه يعجبك التنوره الي طايره من الهواوالشعر الي مقصوصه اطرافه
والبودي الماسك المرتب والابيض
حلوه وننتظر منك المزيد
hebahlp

Nana Banana يقول...

ومين يعرفني أكتر منك من أيام الجامعه ... ايش يعجبني وايش يستفزني ... يا صديقتي الصدوقه
و لاتزعلي على النهايه لأن دي هي بداية القصه ... دي لسه 15 سنه والحياه قدامها ... لسه النكد قدام
مين لي غيركم أجرب فيه
استحملوني